الآلوسي

99

تفسير الآلوسي

تعليمه إلى اسم * ( الرحمن ) * للإيذان بأنه من آتار الرحمة الواسعة وأحكامها ، وتقديم المسند إليه إما للتأكيد أو للحصر ، وفيه من تعظيم شأن القرآن ما فيه ، وقيل : * ( الرحمن ) * خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ خبره محذوف أي الله الرحمن ، أو الرحمن ربنا وما بعد مستأنف لتعديد نعمه عز وجل وهو خلاف الظاهر ، ثم أتبع سبحانه نعمة تعليم القرآن بخلق الإنسان فقال تعالى : * ( خَلَقَ الإِنسَانَ ) * . * ( خَلَقَ الإِنْسَانَ ) * لأن أصل النعم عليه ، وإنما قدم ما قدم منها لأنه أعظمها ، وقيل : لأنه مشير إلى الغاية من خلق الإنسان وهو كماله في قوة العلم والغاية متقدمة على ذي الغاية ذهناً وإن كان الأمر بالعكس خارجاً ، والمراد بالإنسان الجنس وبخلقه إنشاؤه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة ، ثم أتبع عز وجل ذلك بنعمة تعليم * ( البيان ) * فقال سبحانه : * ( عَلَّمَهُ البَيَانَ ) * . * ( عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) * لأن البيان هو الذي به يتمكن عادة من تعلم القرآن وتعليمه ، والمراد به المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير . والمراد بتعليمه نحو ما مر ، وفي " الإرشاد " أن قوله تعالى : * ( خلق الإنسان ) * تعيين للمتعلم ، وقوله سبحانه : * ( علمه البيان ) * تبيين لكيفية التعليم ، والمراد بتعليم البيان تمكين الإنسان من بيان نفسه ، ومن فهم بيان غيره إذ هو الذي يدور عليه تعليم القرآن . وقيل : بناءاً على تقدير المفعول المحذوف الملائكة المقربين إن تقديم تعليم القرآن لتقدمه وقوعاً فهم قد علموه قبل خلق الإنسان وربما يرمز إليه قوله تعالى : * ( إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون ) * ( الواقعة : 77 - 79 ) وفي " النظم الجليل " عليه حسن زائد حيث إنه تعالى ذكر أموراً علوية وأموراً سفلية وكل علوي قابله بسفلي ويأتي هذا على تقدير المفعول جبريل عليه السلام أيضاً ؛ وقال الضحاك : * ( البيان ) * الخير والشر ، وقال ابن جريج : سبيل الهدى وسبيل الضلالة ، وقال يمان : الكتابة والكل كما ترى ، وجوز أن يراد به القرآن وقد سماه الله تعالى بياناً في قوله سبحانه : * ( هذا بيان ) * وأعيد ليكون الكلام تفصيلاً لإجمال علم القرآن وهذا في غاية البعد . وقال قتادة : * ( الإنسان ) * آدم . و * ( البيان ) * علم الدنيا والآخرة ، وقيل : * ( البيان ) * أسماء الأشياء كلها . وقيل : التكلم بلغات كثيرة ، وقيل : الاسم الأعظم الذي علم به كل شيء ، ونسب هذا إلى جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه . وقال ابن كيسان : * ( الإنسان ) * محمد صلى الله عليه وسلم . وعليه قيل : المراد بالبيان بيان المنزل . والكشف عن المراد به كما قال تعالى : * ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( النحل : 44 ) أو الكلام الذي يشرح به المجمل والمبهم في القرآن أو القرآن نفسه على ما سمعت آنفاً ، أو نحو ذلك مما يناسبه عليه الصلاة والسلام ويليق به من المعاني السابقة ، ولعل ابن كيسان يقدر مفعول علم الإنسان مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ، وهذه أقوال بين يديك ، والمتبادر من الآيات الكريمة لا يخفى عليك ولا أظنك في مرية من تبادر ما ذكرناه فيها أولاً . ثم إن كلاً من الجملتين الأخيرتين خبر عن المبتدأ كجملة * ( علم القرآن ) * ( الرحمان : 2 ) وكذا قوله تعالى : * ( الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) * . * ( الشَّمْسُ والْقَمَرُ بحُسْبَان ) * والجار والمجرور فيه خبر بتقدير مضاف أي جري * ( الشمس والقمر ) * كائن أو مستقر * ( بحسبان ) * أو الخبر محذوف والجار متعلق به أي يجريان بحسبان وهو مصدر كالغفران بمعنى الحساب - كما قال قتادة . وغيره - أي هما يجريان * ( بحسبان ) * مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب ، وقال الضحاك . وأبو عبيدة : هو جمع حساب كشهاب وشهبان أي هما يجريان بحسابات شتى في بروجهما ومنازلهما ، وقال مجاهد : الحسبان الفلك المستدير من حسبان الرحا وهو ما أحاط بها من أطرافها المستديرة ، وعليه فالباء للظرفية ، والجار والمجرور في موضع